مأساة الإسكندر الرابع في ظل إمبراطورية ممزقة
في عام 323 ق.م، لم يمت الإسكندر الثالث (الأكبر) فحسب، بل ماتت معه فكرة “الدولة الموحدة”. ترك خلفه إمبراطورية تمتد من اليونان إلى الهند، وترك “خاتماً” في يد رجاله، وجنيناً لم يولد بعد في رحم زوجته “روكسانا”. هذا الجنين الذي سيحمل اسم “الإسكندر الرابع”، لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، بل ولد وفي رقبته نصل السيوف المتصارعة على إرث والده.
1. الميلاد وسط ضجيج السيوف
لم يكد الإسكندر الصغير يرى النور حتى وجد نفسه وقوداً لنار “حروب الخلفاء” (الديادوتشي). انقسم الجيش المقدوني في مشهد درامي؛ فالمشاة (الكتائب التقليدية) أرادوا “فيليب الثالث أرهيدايوس” (الأخ غير الشقيق للإسكندر الأكبر) ملكاً رغم مرضه الذهني، بينما تمسك القادة الطامحون بانتظار مولود الإسكندر.
كان الاتفاق في النهاية تسوية هشة: ملكان بلا سلطة، أحدهما غائب العقل والآخر طفل رضيع، تحت وصاية قادة لا يرى كل منهم في الآخر سوى عدو يجب تصفيته.
2. “رمز” لا “حاكم”
لم يعش الإسكندر الرابع طفولة عادية؛ لقد كان “ختماً شرعياً” يتنقل من يد قائد إلى آخر. من بابل إلى مقدونيا، كان الطفل وأمه روكسانا أسرى في ثياب ملوك. استُخدم وجوده لإضفاء الشرعية على طموحات “بيرديكاس”، ثم “أنتيباتر”، وصولاً إلى الصراع الدموي الذي قادته جدته “أوليمبياس”.
هنا تظهر مأساة الدم المقدوني؛ أوليمبياس، الأم الشرسة للإسكندر الأكبر، حاولت استعادة مجد سلالة “الأرغاد” من خلال حفيدها، لكنها في محاولتها تلك، عمقت العداء مع القادة الصاعدين، وعلى رأسهم “كاساندر” الطموح.
3. سجن “أمفيبوليس”
بعد هزيمة ومقتل أوليمبياس عام 316 ق.م، انتقلت الوصاية إلى “كاساندر”، الرجل الذي لم يكن يخفي رغبته في بناء سلالة خاصة به. وضع الملك الصغير وأمه في قلعة “أمفيبوليس” المنعزلة.
في تلك القلعة، حُرم الإسكندر الرابع من المعاملة الملكية، وبدأ يتحول تدريجياً من “أمل الإمبراطورية” إلى “عقبة” أمام استقرار القادة الجدد. في عام 311 ق.م، نُصت معاهدة بين القادة المتصارعين تقضي بأن يظل كاساندر وصياً حتى يبلغ الإسكندر الرابع سن الرشد (14 عاماً). كانت هذه المعاهدة، في جوهرها، حكماً بالإعدام.
4. نهاية السلالة
مع اقتراب عام 310 ق.م، بدأ الشعب المقدوني يطالب بإطلاق سراح “ابن الإسكندر” ليتولى عرشه. هنا، اتخذ كاساندر قراره الذي سيغير وجه التاريخ: أمر بقتل الفتى وأمه سراً داخل السجن، إما بالسم أو الخنق.
بموت هذا الفتى الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة، انقطعت سلالة الإسكندر الأكبر للأبد. لم تكن مجرد جريمة قتل لفتى يافع، بل كانت إعلاناً رسمياً عن موت “الحلم العالمي” وتمزق الإمبراطورية إلى ممالك متناحرة
(البطالمة في مصر، السلوقيون في آسيا، واللاجيد في مقدونيا).





